محمد جواد مغنية
36
في ظلال نهج البلاغة
( حمله على متن الريح العاصفة ، والزعزع القاصفة ) . الضمير في حمله يعود إلى الماء : والعاصفة : الشديدة الهبوب ، والزعزع : التحريك . ( فأمرها برده ، وسلطها على شده ، وقرنها إلى حده ) . الهاء في أمرها وسلطها وقرنها للريح ، وفي رده وشده وحده للماء . . وقرنها إلى حده أي ان اللَّه سبحانه جعل الماء والهواء من حيث المساحة قدرا بقدر طولا وعرضا ، والمعنى ان اللَّه سبحانه بعد أن خلق الماء فوق الريح وعلى قدرها أعطاها ، جلت حكمته ، قوة عظيمة وجاذبية تستطيع معها أن تشد الماء إليها على ضخامته بحيث لا يسقط منه قطرة واحدة من أطرافه ولا من خلاله . ( الهواء من تحتها فتيق ، والماء من فوقها دفيق ) . الهواء الجو والفضاء ، وفتيق أي خال لا شيء فيه ، ودفيق أي دافق بمعنى مدفوق ، والهاء في تحتها وفوقها للريح ، والمعنى انه كان آنذاك فوق الريح ماء ، وتحتها فضاء . ( ثم أنشأ سبحانه ريحا اعتقم مهبها ، وأدام مربها ، وأعصف مجراها ، وأبعد منشاها ، فأمرها بتصفيق الماء الزخار ، وإثارة موج البحار ) . هذه الريح غير الريح الأولى التي تحمل الماء ، والمعنى ان اللَّه سبحانه خلق ريحا ثانية فوق الماء ، وهذه الريح عقيمة لا تلقح شيئا ، وملازمة للماء وقوية جدا ، وموضعها بعيد المدى ( فمخضته مخض السقاء ، وعصفت به عصفها بالفضاء ، ترد أوله إلى آخره ، وساجيه إلى مائره حتى عب عبابه ) . أي انه تعالى سلَّط هذه الريح الثانية على الماء فحركته تحريكا قويا حتى ارتفع ، وتراكم بعضه فوق بعض . ( ورمى بالزبد ركامه ، فرفعه في هواء منفتق ، وجو منفهق ) . ركامه أي متراكمه ، والهاء في رفعه للَّه سبحانه ، أو للماء ، وعطف الجو المنفهق على الهواء المنفتق من باب عطف التفسير ، والمراد انه كان من نتيجة تحريك الريح للماء بقوة وشدة ان تبخر الماء ، وصار بخارا كثيفا ، ويسمى هذا البخار الكثيف المتجمد زبدا ، فرفعه اللَّه تعالى في الفضاء . ( فسوى منه - أي من الزبد - سبع سماوات ) . قلنا في المجلد السابع من التفسير الكاشف ص 358 ، ونحن نفسر الآية 12 من سورة الطلاق : ان ذكر السبع لا يفيد الحصر بها ، وإنما خصها الوحي بالذكر لأن الذين خوطبوا بالقرآن آنذاك كانوا يسمعون عن الأفلاك السبعة وكواكبها دون غيرها .